ابراهيم بن عمر البقاعي

303

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان المراد من هذا السؤال التوبيخ لأجل ترك الهجرة قالُوا معتذرين كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ أي أرض الكفار ، لا نتمكن من إقامة الدين ، وكأنهم أطلقوها إشارة إلى أنها عندهم لا تساعها لكثرة الكفار هي الأرض كلها ، فكأنه قيل : هل قنع منهم بذلك ؟ فقيل : لا ، لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة ، فكأنه قال : فما قيل لهم ؟ فقيل : قالُوا أي الملائكة بيانا لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة إلى موضع يأمنون فيه على دينهم أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ أي المحيط بكل شيء ، الذي له كل شيء واسِعَةً فَتُهاجِرُوا أي بسبب اتساعها كل من يعاديكم في الدين ضاربين فِيها أي إلى حيث يزول عنكم المانع ، فالآية من الاحتباك : ذكر الجهاد أولا في وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ [ النساء : 95 ] دليل على حذفه ثانيا بعد ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [ النساء : 97 ] ، وذكر الهجرة ثانيا دليل على حذفها أولا بالقعود عنها ، ولذلك خص الطائفة الأولى بوعد الحسنى . ولما وبخوا على تركهم الهجرة ، سبب عنه جزاؤهم فقيل : فَأُولئِكَ أي البعداء من اجتهادهم لأنفسهم مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي لتركهم الواجب وتكثيرهم سواد الكفار وانبساطهم في وجوه أهل النار وَساءَتْ مَصِيراً * روى البخاري في التفسير والفتن عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله ، أو يضرب فيقتل ، فأنزل اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ « 1 » [ النساء : 97 ] . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 98 إلى 101 ] إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ( 98 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ( 99 ) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 100 ) وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً ( 101 ) ولما توعد على ترك الهجرة ، أتبع ذلك بما زاد القاعد عنها تخويفا بذكر من لم يدخل في المحكوم عليه بالقدرة على صورة الاستثناء تنبيها على أنهم جديرون بالتسوية في الحكم لولا فضل اللّه عليهم ، فقال بيانا لأن المستثنى منهم كاذبون في ادعائهم الاستضعاف : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ أي الذين وجد ضعفهم في نفس الأمر وعدوا ضعفاء وتقوى عليهم غيرهم مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ثم بين ضعفهم بقوله : لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً أي في إيقاع الهجرة وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * أي إلى ذلك .

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4596 و 7058 والنسائي في الكبرى 11119 كلاهما عن ابن عباس .